هذه سبحان مصدر من سَبَّحَ، وسَبَّحَ فعل مُضَعَّفَ الوسط، أساسها سَبَحَ، والإنسان إذا سَبَحَ ابتعد عن شيء وأوغل في شيء، ابتعد عن الشط وأوغل في لُجَجِ البحر، فكلمة سَبَّحَ فيها معنيان في وقتٍ واحد، المعنى أن تُنَزِّهَ الله سبحانه وتعالى عن أن يشابه مخلوقاته، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك؛ ليس بصورةٍ، ولا جسمٍ، ولا متبعضٍ، ولا متجزِّئٍ، ولا متناهٍ، ولا متلونٍ، وكل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك.
بل إن الأبلغ من ذلك أن الله سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عن صفات الكمال لدى مخلوقاته، أي أن الله كريم لا ككرم عباده، عفوٌ رحيم لا كعفو عباده ورحمتهم، أرقى من ذلك بكثير.
الجانب الأول من (سبحان) التنزيه، أن تنزه الله عن كل ما لا يليق بذاته الكاملة، عن كل نقصٍ، عن كل مشابهةٍ لمخلوقٍ، والشق الثاني الإيجابي، أن تجول، أن توغل في البحر، أن تمخر عُبابَهُ، أن تبتعد عن الشاطئ، أن تغوص في أعماقه، هذا هو التسبيح، لذلك:
{الْمَالُ وَالْبَنُونَ (46) }
(سورة الكهف)
ربنا يتكلم كلام خالق، تصور بنون بلا مال شيء لا يطاق، عندك أولادٌ كُثُر ولا تملك مالًا تنفق عليهم، أو عندك مالٌ طائل وليس عندك ولدٌ تنفق عليه، شيءٌ مؤلمٌ جدًا، فربنا عزَّ وجل يقول:
{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) }
(سورة الكهف)
لما قال:
{وَالْبَاقِيَاتُ (46) }
(سورة الكهف)
كأنه وصف المال والبنون:
{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) }
(سورة الكهف)