هؤلاء المؤمنون الذين ضبطوا شهواتهم، وكفَّوا جوارحهم عن المعاصي، وظنَّهم أهل الدنيا محرومين، ظنَّهم أهل الدنيا مُقَيَّدين هؤلاء هم الطُلقاء ..
{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ•إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} .
(سورة المدَّثر39)
المؤمن طليق، حتى إذا دخل قبره يمتدُّ قبره مَدَّ بصره، بل إن قبره روضةٌ من رياض الجنَّة.
إذًا: من هو الذكي؟ هل هو الذي نال شيئًا موقَّتًا وضيَّع الأبد؛ أم الذي ضبط نفسه في هذه الحياة الدنيا؟ الحياة الدنيا ليس فيها حرمان للمؤمن، ولكن فيها نظافة، فيها نظام، فيها قنوات نظيفة بإمكانه أن يُمَرِّر شهواته عَبْرَهَا، المرأة من خلال الزواج، والمال من خلال الكسب الحلال، والرفعة في الدنيا من خلال العمل الصالح، إنك إن عملت صالحًا ارتقيتَ اسمك في الدنيا، إنك إن كسبت مالًا حلالًا بارك الله لك فيه، إنك إن أردت أن تُحْصِنَ نفسك بزوجةٍ صالحة وفَّقك الله إليها، لو دقَّقت في حياة المؤمن تجد أن حياة المؤمن ليس فيها شقاء، وليس فيها شعور بالذنب، ليس فيها شعور بالتَمَزُّق، ليس فيها شعور بالانقباض، ومع ذلك من آثر آخرته على دنياه ..
والله أيها الإخوة الأكارم، لو عقلنا أبعادَ هذا الحديث لكنّا أناسًا آخرين ..
(( من آثر آخرته على دنياه ربحهما معًا ـ دنيا وآخرة ـ ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معًا ) ).
[ورد في الأثر]
لذلك قال ربنا عزَّ وجل بعد:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ • وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ• إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}