شيءٌ آخر: هو أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قُدِّم له غلام من قِبَل زوجته خديجة بنت خويلد، هذا الغلام هو سيدنا زيد بن حارثة، وكان من أقرب الناس إلى النبي، عاش في كَنَفِ النبي سنواتٍ طويلة قبل البعثة، والنبي عليه الصلاة والسلام بادله ودًا بود، وحبًا بحب، إلى أن وصل إليه أهله، هذا الغلام كان قد أُخِذ في غزوةٍ في الجاهليِّة، وبيع في سوقٍ، واشتراه خال السيدة خديجة، ثم أعطاه لخديجة، وخديجة رضي الله عنها أعطته بدورها للنبي عليه الصلاة والسلام.
النبي عامله معاملةً تفوق معاملة الأب الرحيم، والأخ الشفيق، فتعلَّق سيدنا زيد بالنبي تعلُّقًا كبيرًا، وأحبَّه حبًَّا جمًَّا، فلمَّا جاء أبوه وعمُّه بعد أن عثرا عليه في مكَّة، ليقدِّما المال لسيدنا محمد، المال الوفير: اطلب ما شئت فداء هذا العبد، قال:"لا، بل خيِّراه، فإذا اختاركما فلست أريد شيئًا، هذا ابنكم".
وقف النبي موقفًا رائعًا، أي إن اختاركما فهو لكما، ولا أريد شيئًا.
لكن سيدنا زيدًا رأى من خُلق النبي الكريم، ومن عطفه الجزيل، ومن أخلاقه الرضية، ومن إشراقات النبوَّة فيه ما جعله يؤثر النبي على أبيه وأمِّه وعمُّه.
فقالا: يا زيد أتؤثر محمَّدًا على أبيك وأمِّك؟ فقال: لقد رأيت منه ما أنساني أبي وأمي، عندئذٍ قال النبي عليه الصلاة والسلام: هذا زيد بن محمَّد يرثني وأرثه، هكذا قال النبي، وكانت هذه الواقعة قبل أن يبعث عليه الصلاة والسلام، وكان اسمه قبل نزول هذه الآيات زيد بن محمد، عليه الصلاة والسلام، فالذي يعيش مع النبي هل يذكر أحدًا من أهله؟ إنه ينسى كل شيء.
والله سبحانه وتعالى أراد أن يُبطل عادة التبني التي فيها اختلاطٌ للأنساب، فأمر زيدًا أن يطلِّق زوجته، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوَّج زينب زوجة زيد، زوجةَ متبنَّاه، وهنا خشي النبي كلام الناس، فأبطل الله هذه العادة، وعاتبه الله عزَّ وجل وقال: