هذه الآية دقيقة جدًا، فبلادهم الشاسعة من نعم الله عليهم التي ما عرفوا قيمتها، ودائمًا وأبدًا اسمعوا هذه المقولة: إذا جاءك المال، والصحة، وإذا جاءك الولد، أنعمةٌ ما جاءك أو نقمة؟ الحقيقة لا نعمة ولا نقمة، ولكن ابتلاء، إذا أنفقته فيما يرضي الله أصبح نعمةً، أما إذا أنفقته فيما يغضب الله أصبح نقمة، فالمال نقمة إذا أنفقته على الملاهي، أنفقته سرفًا وترفًا وكبرياءً وغطرسةً، أما إذا أنفقه للفقراء والمساكين والمحتاجين، وفي سبيل الحق، ولإعلاء كلمة الحق، انقلب المال إلى نعمة عظيمة.
فالصحة، إذا استخدمت هذه الصحة في المخالفات والمعاصي، أصبحت هذه الصحة نقمةً عليك، والمرض عندئذٍ أفضل منها، أما إذا أنفقتها في طاعة الله، وفي طلب العلم، وفي خدمة الخلق، وفي معرفة الله، هذه الصحة نعمة، فأنا لا أقول أبدًا لشيءٍ من حظوظ الدنيا: نعمةٌ ولا نقمة، أقول: هو ابتلاء، يصبح نعمةً إذا أنفقته في طاعة الله، ويصبح نقمةً إذا أنفقته في معصية الله.
كل شيء حيادي، هذه المركبة حيادية، نعمة؟ والله إذا تنقَّلت بها من بيتك إلى المسجد، واستخدمتها في طاعة الله، وحللت بعض مشكلات الناس، ولبَّيْتَ بها حاجة المستغيث في الليل، وأدخلت على قلب أهلك السرور أحيانًا بها، فهذه نعمة، فإذا استخدمتها لأمورٍ أخرى يستحيا من ذكرها هذه نقمة.
أحيانًا الله عزَّ وجل يهب الإنسان شكلًا جميلًا، فإذا كلما نظر في المرآة قال: الحمد لله، يا رب كما حَسَّنْتَ خَلقي فحسن خُلقي، وغض بصره عن محارم الله، وعزل أذنه عما يغضب الله عزَّ وجل، فهذا الشكل الجميل من نعم الله؛ لكن إذا أغوى به النساء، وجال في أسواقٍ تكثر فيها النساء، ووزع البسمات هنا وهناك، هذا الشكل الجميل صار نقمة، أي شيءٍ موقوفٌ على طبيعة استهلاكه، إما أن يغدو نعمةً، وإما أن يغدو نقمةً، فربنا عزَّ وجل قال:
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً}