فأمتع لحظات الإنسان إذا كان آكلًا، ومرتاحًا، ليس لديه هموم، وأولاده بصحَّة جيِّدة، زوجته على ما يرام، دخله جيِّد، بيته فخم، يعاشر أصدقاءً من مستواه ـ كل واحد له مستوى ـ يتسامرون، يتذاكرون، يتنادمون، يتحادثون، يتحاورون، فأجمل لحظات الحياة للمقياس المادي طبعًا أن تكون مرتاحًا، وآكلًا، وجالسًا في مكان جميل يطل على مناظر جميلة، مع صديق حميم يعني على شاكلتك، إذا كنت أنت ذكي فهو ذكي مثلك، إذا كنت مثقَّفًا فهو مثقَّف مثلك، إذا كنت غني هو غني مثلك، إذا كان الإنسان له صديق على شاكلته، وكان مرتاحًا من كل أمور الدنيا، وهم يتذاكرون ويتحاورون، فربنا عزَّ وجل قال:
{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}
عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ
الجماعة قاعدون، مرتاحون أدّوا ما عليهم في الدنيا، فيقال لهم:
{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) }
(سورة الحاقة)
تعبتم في الدنيا كثيرًا، وجاهدتم، واستقمتم، وصليتم في الليل، وقمتم من الليل، وقرأتم القرآن وحفظتموه، أمسكتم ألسنتكم، ضبطتم سمعكم وبصركم، واستقمتم، وجاهدتم، وبذلتم، وتعبتم، وصبرتم، فنريد الآن أن نجعلكم مسرورين، أنتم الآن في دار النعيم، فلذلك ترى المؤمنين يقعدون مع بعضهم بالتقابل، أحيانًا يدعونك لعقد قران فيجلس الناس بعضهم وراء بعض، أما إذا كان الحفل فخمًا جدًا تكون الكراسي كلها متقابلة ومريحة، الكراسي مريحة جدًا، المقاعد وثيرة ومتقابلة، من غير ازدحام ..
{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَاسٍ مِنْ مَعِينٍ}
أي من أشهى أنواع الشراب، كلمة (من معين) ، أي شراب مستمر، أحيانًا الإنسان قد ينزل في فندق فيجد فيه برَّادًا، فيشرب كأسًا من عصير ثمنه مئة ليرة، يقول لك: ثمنها باهظ، فعند الدفع يغص مثلًا، أما في الجنة ..
{بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ}