فإذا رأيت في القرآن الكريم آيات تشير إلى المجادلة والمشاحنة، هؤلاء الذين يقلبون الحق إلى باطل، هؤلاء الذي يبرِّرون أغلاطهم بذكاءٍ بارع، هؤلاء الذين يفلسفون المعاصي ويعطونها أسماء غير أسمائها، فإذا نافق الإنسان يسمَّى مرنًا، وإذا كان متفلِّتًا يسمى حضارة وحرية، وإذا كانت له أساليب ملتوية في جمع الأموال يسمَّى ذكيًا ماهرًا، وإذا كان مجتمع فيه اختلاط يقول لك: هذا مجتمع راقٍ مخملي، فهذه كلُّها أسماء من ابتداع العقل البشري، وأحيانًا يعطونك فلسفة لكل معصية، وتبريرًا لكل خطيئة، وتغطية لكل انحراف، هذا الذي يجادل، هذا الذي يتحرَّك بعقله حركةً معاكسةً للقرآن الكريم هذا مجادل، هذا إنسان منحرف كمزوَّر العملة، عثر على آلة تصوير ملوَّنة رفيعة المستوى، فأعانته على عمله الإجرامي، فلمَّا ضُبِطْ كانت هذه الآلة سبيلًا إلى دخوله السجن، لهذا قال الله عزَّ وجل:
{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ}
3 ـ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
هو الذي كَفَر بالله، وكفر باليوم الآخر، وآمن بالدنيا، وآمن بالمادَّة، وآمن بالمال فقط، واتخذ سبيل الشهوة طريقًا له، وجعل إلهه هواه، ولديه عقل، معه عقل مبدع خلاق، فاستخدم العقل لغير ما خُلِقَ له، استخدم العقل لجمع الأموال عن طريقٍ غير مشروع، استخدم العقل للوصول إلى رغباته الدنيئة؛ فنصَب الحيل، ونصَب الشباك. إذًا العقل إنْ يستخدم استخدامًا مشروعًا يرقَ بصاحبه، وإنْ يستخدم استخدامًا غير، مشروعٍ يهْوِ بصاحبه. العقل صار درجاتٌ إلى الجنَّة، أو دركاتٌ إلى النار، سلَّمٌ ترقى به أو منزلقٌ تهوي به، والعقل هوَ هو.
الحظوظ الدنيوية حيادية: