ربنا عزَّ وجل جعل الدنيا دار ابتلاء، ولم يَجعلها دار جزاء، لو جعلها دار جزاء لكان هينًا عليه أن يعطي كل إنسان كل الحظوظ في أعلى درجاتها، في درجاتها المُطْلَقَة، فأحيانًا تجد امرأةً تجمع بين النسب، والجمال، والغنى، وربَّما كان اجتماع هذه الحظوظ لديها وبالًا عليها، فأن يصل الإنسان إلى المُطْلَق في الدنيا ربَّما كان هذا سبب البلاء، فربنا عزَّ وجل هو الذي وزَّع الحظوظ.
ولكن هذا يعطينا معنىً آخر، وهو أن الحظوظ في الدنيا موزَّعة، لكن توزيعها توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة، لكن توزيع الآخرة توزيع جزاء، وأوضح مَثَلٍ الغنى والفقر، إنسان عاش ثمانين سنة ـ وهو عمر عالٍ، بينما النموذجي ستون سنة، الواقعي خمسة وخمسون سنة، سنأخذ إذًا عمر ستين سنة لمثالنا هذا ـ إنسانان غنيٌ وفقير، عاش كل منهما ستين عاما ًوتزامنا في فترة واحدة، واحد منهما تمتَّع بالغنى الذي لا حدود له، فأكل ما لذَّ وطاب، وسكن أفخر البيوت، وركب أجمل المراكب، وسافر، وتجوَّل، أعطى نفسه كل شهواته؛ وإنسان عاش في حرمانٍ وفقرٍ مدقع، فحياته خشنةٌ، طعامه خشن، بينه قميء، ثيابه رثَّة.
إنسانان، الأول امتحن بالغنى والثاني امتحن بالفقر، الغنى في حق الأول ابتلاء، والفقر في حق الثاني ابتلاء، لو تصوَّرنا أن الغنيّ امتحن بالغنى فلم ينجح، فتاهَ بماله على عباد الله، وأنفق ماله على شهواتٍ لا ترضي الله، ومنعه أهلهَ ومستحقيه، والمال جعل صاحبه يزهو على عباد الله؛ والفقير رضي بقسمة الله له، واستقام على أمر الله، واتَّقى الله في كل حياته، إلى أن وافت المنيَّة الرجلين.
ففي الآخرة ستنعكس الآية، الذي كان فقيرًا، ونجح سيغدو غنيًا إلى أبد الآبدين؛ والذي كان غنيًا فرسب سيغدو فقيرًا إلى أبد الآبدين، هذا معنى قول سيدنا علي: >.