فهرس الكتاب
إن أردنا المعنى الأول: فالذي خلق السماوات والأرض ظاهرةٌ قدرته، ظاهرٌ علمه، ظاهرةٌ حكمته، والذي خلق السماوات والأرض على عظمها دليل على أنه قويٌ، قديرٌ، غنيٌ، عادلٌ، رحيمٌ، قادرٌ على أن يعيد الأجساد إلى ما كانت عليه، وإلى أن يحاسبها على كل ما اقترفت في الحياة الدنيا.
لا مقارنة بين خلق الله وصنع الإنسان:
وإن أردت أن تفهم الآية فهمًا آخر، أنك إذا وازنت بين خلق السماوات والأرض وبين صنع الناس ترى البون شاسعًا، والمسافة كبيرةً جدًا.
ثمَّ يقول الله عزَّ وجل:
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ}
1 ـ المؤمن بصير والكافر أعمى:
أدقُّ وصفٍ للمؤمن أنه بصير، وأبلغ وصفٍ للكافر أنه أعمى، وأنت إذا كنت مبصرًا، ورأيت إنسانًا فاقد البصر يتحرَّك في طريقٍ وعرٍ، فيه حفرٌ وأكماتٌ وحشراتٌ، ورأيت كيف أنه يتحرَّك دون هدايةٍ، يتَّجه نحو الحفرة وهو لا يدري، يكاد يصطدم بالشجرة وهو لا يدري، تعرف قيمة البصر، فربنا سبحانه وتعالى أراد أن يُجَسِّد حالة المؤمن بأنه كالبصير، يرى الأشياء على حقيقتها؛ يراها بأحجامها، وبأشكالها، وبألوانها، وتفاصيلها، يرى الحقيقة، يرى سرَّ وجوده، يرى غاية وجوده، يرى علَّة وجوده، يرى عظمة ربِّه عزَّ وجل، يرى منهج الله الحكيم، يرى ذلك الصراط المستقيم، يعرف أنه إذا خرج عنه سوف يحاسب، وسوف يخسر لأن منهج الله عزَّ وجل فيه بذور نتائجه.
أحيانًا لا ترى علاقةً علميَّةً بين الشيء وما يَتْبَعَهُ، وأحيانًا ترى أن هناك علاقة علميَّة، فإذا مسست بإصبعك المدفأة وهي مشتعلة، فمسُّك لهذه المدفأة من نتائجه الحتميَّة احتراق اليد، فاحتراق اليد نتيجةٌ حتميَّةٌ لِمَسِّ المدفأة، نقول: بين المسِّ والاحتراق علاقةٌ علميَّةٌ، علاقة سببٍ بنتيجة.
2 ـ كل معصيةٌ هي سببٌ لنتائجها: