ماديُّ النزعة، ضيِّق الأفق، أناني الصفة، يحب ذاته، يحب أن يحيا، ويموت الآخرون، يحب أن يرقى، وينخفض الآخرون، يبني مجده عن أنقاض الآخرين، يبني غناه على فقرهم، يبني سعادته على شقائهم، يبني أمنه على خوفهم، يبني وجوده على فنائهم، هذا الكافر ميِّت، لو نشد الإنسان السعادة في العطاء لا في الأخذ لارتقى في إنسانيته، وسما بنفسه في مدارج الإيمان، لكن معظم الناس يظنون أن السعادة في الأخذ، فالكافر قد بني حياته على الأخذ، على أخذ أموال الآخرين، على أخذ خبرات الآخرين، على أخذ خدمات الآخرين، على استعباد من دونه، على استغلال من دونه.
المؤمن بالعكس بني حياته على العطاء، المؤمن يبني سعادته مع ربه على أنه خيِّر في طبعه، يعطي مما عنده، ربنا عزَّ وجل وصف المتَّقين بصفةٍ جامعة مانعة، قال تعالى:
{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) }
(سورة البقرة)
الله ماذا رزقك؟ رزقك قوَّة، ابذلها في خدمة الآخرين، رزقك مالًا، أنفقه للفقراء والمسلمين، رزقك جاهًا، اجعله في خدمة المظلومين، رزقك علمًا، اجعله في خدمة الجاهلين، هذا المؤمن بني حياته على العطاء لا على الأخذ، وسعادته قائمة على أنه يعطي، لا على أنه يأخذ، لذلك قالوا: إذا أردت أن تعرف أنك من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فانظر ما الذي يسعدك، الأخذ أم العطاء؟ أن تقبض المال أم أن تنفقه؟ أن تستغلَّ خدمات الناس أم أن تخدمهم؟ أن تأخذ مالهم أم أن تعطيهم من مالك؟ ما الذي يسعدك الأخذ أم العطاء؟ إن كان الذي يسعدك هو الأخذ فأنت من أهل الدنيا، وإن كان الذي يسعدك العطاء فأنت من أهل الآخرة.