إنّ الإنسان الذي أوتي طلاقة لسان فهذا يحاسب حسابًا خاصًَّا، كان من الممكن أن يرقى بقوَّته البيانيَّة وطلاقة لسانه إلى أعلى عليين، هذا الذي أوتي مالًا كان من الممكن أن يرقى بماله إلى أعلى عليين، هذا الذي أوتي قوّةً فبإمكانه أن يزيل بها المُنكر، وأن يحقَّ بها الحق، وكان من الممكن أن يرقى بها إلى أعلى عليين، فالحظوظ التي ينالها الإنسان من الله عزَّ وجل يمكن أن ترقى به ويمكن أن تهوي به.
فأول معنى في هذه الآية، كأن الله عزَّ وجل يعرِّض بالأقوال السيئة، واللغو، والحديث عن الدنيا، والحديث في الموضوعات السخيفة، وفي الموضوعات اليوميَّة، والحديث الفارغ، والكلام الذي لا طائل منه ..
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) }
(سورة المؤمنون)
كأن الله يزري بهؤلاء الذين يستخدمون هذه القدرة البيانيَّة في موضوعاتٍ لا ترضيه، فكيف إذا استخدمت اللسان في الغيبة، النميمة، والفحش، والبذاءة، والسُباب، والسخريَّة، والتهكُّم، والإفك، والافتراء، والإيقاع بين الناس، وفي تأريث العداوة والبغضاء بينهم، وفي شق الصفوف، وكيف إذا استخدمت هذا؟ كأن هناك كلامًا يسبِّب لصاحبه هلاكًا، وهناك كلامًا يسبِّب لصاحبه خسارةً، وهناك كلاما يرقى بصاحبه.
والكلام في المباحات؛ ما اغتاب، ولا نمّ، لكنه تحدَّث في أمور الدنيا الزائلة، في أمور لا تنتهي، ولا قيمة لها، وهي ماضية، وحجمها صغير، وهناك أناسٌ كثيرون يمضون سهراتٍ طويلة في الحديث عن الدنيا، في الحديث عن طعامها وشرابها، في الحديث عن متعها المُباحة، هذا الحديث ربَّما جرَّ لصاحبه إلى ضياع الوقت، والوقت ثمين، والإنسان بضعة أيَّام، فكلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، ولكن أشرف حديثٍ، وكلامٍ، ودعوةٍ، ونُطْقٍ أن تدعو إلى الله.