فهرس الكتاب

الصفحة 18557 من 22028

الرحمة (درسنا اليوم محوره الرحمة) رقةٌ في القلب تستلزم الإحسان والعطاء، رقةٌ في القلب، الرحمة لها مظهر شُعوري، ولها مظهر سلوكي، نظرت إلى يتيم، نظرت إلى فقير، نظرت إلى مُصاب، نظرت إلى جريح، تولَّد في قلبك شعورٌ بالعطف عليه، والشفقة عليه، والتأثُّر له، هذا الجانب الشعوري، بادرت إلى معاونته، هذا الجانب العملي، فالرحمة إذا وصف بها الإنسان، نقول: رقةٌ في القلب تستلزم التفضُّل والإحسان في حقِّ العباد، أما إذا عُزِيَت إلى الله عزَّ وجل فالله سبحانه وتعالى تعني رحمته أن يصرف عن عباده السوء وأن يجلب لهم الخير، الله جلَّ جلاله في ذاته رحمن، وأفعاله رحيمة.

الرحمة تستدعي مرحومًا، تستدعي مخلوقًا يحتاج إلى الرحمة، والإنسان ضعيف وسر غناه في فقره، وسر قوته في ضعفه، وسر علمه في جهله، فالإنسان كلما افتقر إلى الله عزَّ وجل نال من الله العطاء الأوفى، فأنت بافتقارك إلى الله تغدو أقوى الناس، وتغدو أغنى الناس، وتغدو أعلم الناس، وتغدو أحكم الناس، الرحمة تقتضي مرحومًا، والمرحوم لا يستحق الرحمة إلا إذا كان ضعيفًا.

لذلك من حكمة الله جلَّ جلاله أنه إذا ساق المصيبة للإنسان من أجل أن يأخذ بيده إليه، من أجل أن يدلَّه عليه، من أجل أن يدفعه إلى بابه، من أجل أن يُذيقه طعم جنانه، من أجل أن يذيقه طعم القُرب، طعم الحُب، طعم الطُمأنينة، فالإنسان خُلِقَ ضعيفًا، ولو أنه خُلق قويًا لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، خلقه ضعيفًا ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، فحكمة الله عزَّ وجل أن الله إذا أراد أن يعطينا وأن يرحمنا وأن يسعدنا لا بدَّ من أن نفتقر إليه، لو خلقنا أقوياء لاستغنينا عنه، لذلك:

{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ}

(سورة المعارج (

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت