والله - أيها الإخوة - إني لم أجِد في الناس من هو أشدّ حمقًا من الذي يزْهد في الآخرة ويُقْبِلُ على الدنيا، على الرغم من أن كلّ ما يملكه في الدنيا مرهون بِنَبض القلب، وقد يتوقف هذا القلب من دون سبب! فإذا توقَّف القلب يقال: كان رجلًا فصار خبرًا، وقد يكون شَخصًا ملء السَّمع والبصر فيصير بعد ذلك كلمةً على الجدران، وقد يكون ذا حضور في البيت فيغيب عنه، و قد يكون له قرار في تجارته ومكتبته و توزيع أمواله، فيفَقَدَ هذه الصلاحيَّة، ويصبح المال لِوَرثَتِهِ، فالموت يأتي ويأخذ معه كلّ شيء.
أيها الإخوة الكرام، ثمّ إنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:
{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
كأنَّ الله هنا يَعْجب! فالإله لا تُدركهُ الأبصار، والكون يدلّ عليه، وقد أعطاك أكثر ممَّا تستحقّ، فقد أرسل لك إنسانًا من بني جلدتك، يتكلَّم فتسْمعه، ويتحرَّك فتراه، وتتعامل معه فَتُحِبُّه، من هو؟ هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، فَمِن رحمة الله بنا أن جَعَل بشرًا من بني جِنسنا يُحدِّثنا عن ربِّنا! فعلى الإنسان أن يستنبط هذا المعاني، فقد أكرمه الله تعالى بِعقْل، وكون ينطق بِعظمة الله، ثم أكرمه إكرامًا لا حدود له حينما جعل رسوله بشرًا مثله، قال تعالى:
"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"
[سورة التوبة]
يتكلَّم ويتزوّج، ويأكل و يشرب وينام، ويتحرَّك وينطق، و تجري عليه كلّ خصائص البشر، لكنه كان سيّد البشر لأنَّه انتصر على بشَريَّتِهِ.
قال تعالى:
{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}