ومعنى (أنْ تخْشَعَ قلوبهم) ؛ أيْ: أن تسْتقيم على أمر الله تعالى، وأن ينقاد الإنسان لأوامر الله، والحقيقة أن هذا المِقياس مقياس دقيق يضعك على المحكّ، فتكلَّم ما شئت، وتحدَّث عن نفسك ما شئت، وأعْطِ نفْسِكَ أيّ حجمٍ، وفي النِّهاية: أنت لسْتَ بالحجم الذي تدَّعيه ما لم تلتزم بالأمر والنَّهي، فَخشوع القلب كما قال المفسّرون: هو انقياد القلب لِطاعة الله تعالى، فالخُشوع هو شُعور، ولكنّ هذا الشُّعور يُجَسَّد بانقياد النَّفس إلى طاعة الله تعالى، فالحركة الظاهرة دائمًا أساسها حال نفسي، و الحال النفسي خُشوع لله، والحال الظاهري انْقِيادٌ لأمر الله تعالى، فإن لم يكُن لديك انْقِياد لأمر الله فأنت لسْتَ خاشعًا بقلبِكَ، لأنّ القلب لم يأخذ من الفِكر الأدلَّة على عظمة الله، والإنسان إذا فكَّر بعَظمة الله خشع قلبه وانقادت جوارحه، و انْقِيادُ الجوارح يسْبِقُهُ خُشوع القلب، وخُشوع القلب يسْبِقهُ تفكّر في السماوات والأرض، فلو الْتَقيْتَ بإنسان لا تعرف عنه شيئًا فإنك تُعاملُهُ معاملةً عاديّة، أما إذا بلغكَ أنَّه أعلم علماء الأرض في اخْتِصاص معيَّن، أو أنه من أقوى الأقوياء و أغنى الأغنياء، ثم الْتَقيْتَ به ثانيَةً فإنَّك تحترمُهُ وتُوقِّرُهُ، وهذا يكون بِحَجم عِلمهِ أو قوَّته أو ماله، و الفِكر إذا جال في ملكوت السماوات والأرض وعاد بِنَتيجة تُؤكِّد عظمة الله عز وجل جعل القلب يخْشع لله، فإذا خشَع القلب انْقادَت الجوارِح.
أيها الإخوة الكرام: هناك كلامٌ جامِعٌ مانِع موجَز يقول: إذا لم يحْمِلْك إيمانُك على طاعة الله تعالى فهذا الإيمان لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، وإن شئت سمِّ هذا الإيمان بالإيمان الإبليسي، لأنَّ إبليس قال:
"قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) ".
[سورة ص]
فالإيمان الحقيقي هو الذي يَحْمِلُكَ على طاعة الله عز وجل، والله عز وجل يقول: