أيها الإخوة .. إني أريد أن أقرِّب هذه الآية إلى الواقع، فالآية تخاطب النبي عليه الصلاة والسلام؛ أي: لقد قالوا عنك إنك مجنون لكنك سيد الخلق وسيد ولد آدم، وأنت الرابح الأول و الناجح الأعظم وأنت المفلح المتفوِّق.
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ}
وقد منحك الله النبوة.
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ}
وقد جعلك الله رسولًا، و أقول لكم هذا الكلام الدقيق، إن الله يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، فقد أعطاه لقارون وأعطاه لعبد الرحمن بن العوف، و الله يعطي المُلك لمن يحب ولمن لا يحب، فقد أعطاه لسليمان وأعطاه لفرعون، لكن العلم والحكمة لا يعطيهما إلا لمن يحب ..
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}
(سورة القصص)
فإذا كان أحدكم أيها الإخوة على شيءٍ من الهُدى و معرفة الله و طاعته، وكان يرجو رحمته ويخشى عذابه و يعمل للجنة، فينبغي ألا يندم على شيءٍ فاته من الدنيا، لأن الدنيا تنطوي بكل ما فيها، و الإنسان حينما يموت ماذا تنفعه مساحة بيته؟ أو موقع بيته؟ أو حجم دخله؟ أو مستوى زوجته؟ أو مكانته الاجتماعية؟ كله انتهى، و لا يبقى إلا العمل الصالح.
{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ • مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ • وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ •وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
الممنون: الأجر المنقطع، مِن (مَنّ) َ بمعنى: قطع، و الآن دققوا أيها الإخوة: الدنيا كل ما فيها لا يعَدُّ عطاءً لأنه منقطع، فمهما كنت متعتعًا بصحةٍ عالية، فإن الموت سينهي صحة الصحيح، و مهما كنت متمتعًا بدخلٍ كبير، فإن الموت سينهي المال، و مهما كنت متمتعًا بمكانةٍ علية فإن الموت سينهي هذه المكانة، ومهما كنت متمتعًا بأسرةٍ راقية فإن الموت سينهي هذه الأسرة، إذًا فعطاء الدنيا ممنونٌ أي مقطوع، لكن عطاء الآخرة غير مقطوع ..