أولًا ربنا جلَّ جلاله هو ذاتٌ كاملة في أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى فهو رحيمٌ، كريمٌ، عدلٌ، غفورٌ، قويٌ، عزيزٌ، لطيفٌ، فلا يستطيع مخلوقٌ أن يتقرَّب إليه ويسعد بقربه إلا بالكمال، لذلك كان دين الله دين الكمال و دين الرحمة و دين العدل و دين المصلحة العامة و دين الإنصاف، فالله جلَّ جلاله ذاتٌ كاملة، ولا يتقرب إليه المتقربون إلا بكمالٍ هو وسيلتهم إليه، و أحكام الشريعة كلُّها عدلٌ و رحمةٌ و إنصافٌ و لطفٌ، فقد قال أحد العلماء: (الشريعة عدلٌ كلها، رحمةٌ كلها، مصلحةٌ كلها) ، فكل قضيةٍ خرجت من العدل إلى الجَوْر، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الرحمة إلى القسوة فليست من الشريعة و لو أدخلت عليها ألف تأويلٍ وتأويل، فلو قرأت الفقه في أبوابه كلها و دققت في كل مسائله؛ العامة والخاصة، الشخصية، والاجتماعية، والنفسية، والتعبدِّية، لوجدت أن كل هذه الأحكام ترشدك إلى الموقف الكامل، الموقف العدل، الموقف المنصف، الموقف الرحيم، الموقف اللطيف، إذًا فمنهج الله عزَّ وجل قائمٌ على الخُلُق، والنبي عليه الصلاة والسلام لو لم يكن في أعلى درجة أخلاقية، لما قنعت أنت بهذا المنهج، فالمنهج بشكل نظري لا يقنع إلا أن يجسد بسلوك، فلذلك كان للأنبياء مهمتان: مهمةٌ بيانية ومهمةٌ قيادية، فالمهمة البيانية أن يبيِّن لك ما تفعل وما لا تفعل، لكن مهمة القدوة هي أن يكون كاملًا، لذلك يقول الله تعالى:
{وَإِنَّكَ}
يا محمد، و (إن) : حرفٌ مشبهٌ بالفعل يفيد التوكيد ..
{لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}