ليس في الدنيا من حقيقة نعيم الآخرة إلا الأسماء، فإنّ المسمَّى يختلف، نحن نرى في الدنيا بستانًا جميلًا، فيه أشجار وارفة الظلال، أرض خضراء ممتعة للعينين، ورود، وأزهار، ورياحين، وعصافير مزقزقة، نسيم عليل، هذه معلوماتنا عن الدنيا، وربنا عز وجل تقريبًا لعقولنا قال:
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا* حَدَائِقَ}
أحيانًا الإنسان يرى في مجلة صورةً لحديقة جميلة جدًا، يُعتَنَى بها كثيرًا، بساط أخضر، حوله ورود، وأشجار، وجدول من المياه الرقراق، فيقول: هذا منظر جميل جدًا، يأخذ بالألباب، هذا كله تقريب لك.
(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ) )
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
كما أن النار مخيفة فالجنة جميلة، وكما أن النار خسارة ما بعدها خسارة فإنّ الجنة فوز ما بعده فوز، لو أن كل مصائب الدنيا طُرِحتْ على إنسان، وانتهت به إلى الجنة فهو الفائز الأول، ولو أن كل نعيم الدنيا كان بيد إنسان، وانتهى به الأمر إلى جهنم فهو الخاسر الأول، وهو ليس بشيء إطلاقًا.
فإذا نظر ناظر بعقله أن الله أكرمه حين أعطاه، أو أهانه حينَ زوى عنه الدنيا، إذا قال: أهانني فقد كذب، وإن قال: أكرمني فقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا.
{رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ}
[سورة يوسف: 101]
من أدقِّ ما قرأت عن هذه الآية أنّ المُلْكَ ليس مَن ملَك القصرَ الجميل، وليس مَن جمع المال الوفير، الملْك مَن ملَك نفسه عند الشهوة فضبطها وحملها على طاعة الله، قال تعالى:
{إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}
[سورة الحشر: 16]
هذا هو الملْك العظيم، أما الملْك المادي فإنّ اللهَ يعطيه لمن يحب ولمن لا يحب.
الملْك أن تملك نفسك عند الغضب، والشهوة، والمغريات، وأن تتماسك عند الضغوط، وهذا هو الفوز العظيم.