أضرب لكم مثلًا؛ أنت أمَام مذياع قديم، فتحتَ داخله فإذا فيه"لمبات"نزعت واحدة فانقطع الصوت، فقلت: هذه للصوت، هذا اسمه علم تجريبي، هي ليست للصوت، ولكنها وُضعت على طريق الصوت، فلما نزعتها وانقطع الصوت توهَّمتَ أنها للصوت، إنها على طريق الصوت، فعلمُ الإنسان علم تجريبي، يصيب ويخطئ، أما لو أنك توجّهتَ إلى مخترع هذا الجهاز لقال لك: هذه لسبعة عشر هدفًا، هي هكذا، فحينما تأخذ الحقيقة من الله مباشرة، هذا هو الوحي، وحينما تأخذ الحقيقة من التجارب، هذا اسمه علم تجريبي، فالعلم التجريبي يصيب ويخطئ، أما الوحي الإلهي فحقٌّ صِرف، الحقيقة قد نصل إليها عن طريق التجربة، وقد نعرفها عن طريق الوحي، لكن مع الوحي هناك عصمة وصواب مطلق، أما مع التجربة فهناك خطأ وهناك صواب، وأحيانا التجربة لا تسمح لك أن تستفيد من هذا الخطأ، أنت أمام كرة حديدية يا ترى أهي قنبلة؟ لا، ليست قنبلة، احترت، تعال نجرِّب، لو أمسكتها وانفجرت خلال عشر الثانية لعرفتَ أنها قنبلة، ولكن لم يبق لك في الحياة وقت تنتفع بهذا الدرس، وهذا ما حصل للعالَم الآن، فقد تركوا الدين، وانفلتوا، وانهاروا في إباحية واختلاط وزنى وشذوذ، وأصبح هذا الانحراف جزءًا من حياتهم، وبعدما عرفوا الحقيقة المرة لم يعودوا يستطيعون الخروج منها، فليس كل مَرة تستفيد من التجربة، في معظم الحالات التجربة مُرة، لن تسمح لك أن تستفيد منها، أما حينما تكون مع الوحي، فالوحي كله واضح، إنّه وضوح وتعلُّم من دون ثمن.
أيها الأخوة، فالوحي حق مطلق، وعصمة مطلقة، أما التجربة ففيها خطأ وفيها صواب، نصيب ونخطئ، فإذا أصبنا ربما لا نستطيع أن ننتفع من هذه التجربة، لذلك فعظمةُ هذا الدين من عند خبير، قال تعالى:
{وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}
[سورة فاطر: 14]