فأنا أذكر هذه التحفظات لئلا يذهب بكم الظن إلى أن الله سبحانه وتعالى حينما ... قال: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ، من هذا الصنف، الذين يبنون مجدهم على أنقاض الشعوب.
أيها الأخوة، {فَإِذَا انْسَلَخَ} ، ما معنى انسلخ؟ أي شيء لصيق بشيء، كالجلد في الدابة سلخته، أي نزعته، أي هذه الأشهر الحرم إن انسلخت كانت حصنًا، كانت درعًا للمشركين، كانت وقاية، كانت حماية.
{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، مِن الصنف الذي ذكرته قبل قليل، مِن الصنف الذي يهوى سفك الدماء، مِن الصنف الذي يبني مجده على أنقاض البشر، مِن الصنف الذي يتوهم أن له ما ليس للبشر، وأن على غيره ما ليس عليه من البشر.
أيها الأخوة، معنى ذلك أن الأشهر الحرم لها حكمة بالغة، من أجل حقن الدماء، قد يتحارب جيشان، وكل جيش جعل مصير المعركة منوط بكرامته، فالدماء تسيل، والحرب لا تقف، فتأتي هذه الأشهر الحرم التي حرم الله فيها القتال، في خلال هذه الأشهر يذوق الناس طعم السلامة فيتمنون استمرارها، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تحقن الدماء، لأنه خلق الإنسان على جِبلة خاصة، حينما تسيل الدماء ترتبط كرامة الإنسان بمصير المعركة، فلذلك تستمر الحروب سنوات، وسنوات.
في تاريخ الجاهلية رجل مدّ رجله، وقال: من كان أشرف مني فليضربها، فقام إنسان وضربها، ودامت الحرب بين قبائل العرب عشر سنوات.