ونذكرُ بعَونِ اللّهِ وتأييده جُمْلةً مِنَ القَول في الماء ثمَّ نصير إلى ذكر ما ابتدأنا به من القول في النار .
ذكروا أن الماء لا يغذو وإنما هو مَرْكَبٌ ومِعْبَرٌ ومَوْصِلٌ للغِذاء واستدلُّوا لذلك بأن كلّ رقيق سَيّال فإنك متى طبَخْته انعقَد إلا الماء وقالوا في القياس: إنه لا ينعقد في الجوف عند طبخِ الكبِد له فإذا لم ينعقِد لم يجئْ منه لحمٌ ولا عظم ولأننا لم نر إنسانًا قطُّ اغتذاه وثبت عليه روحُه وإن السمك الذي يموت عند فقده لَيَغْذُوه سِواه مما يكون فيه دونه .
قال خصمهم: إنما صار الماء لا ينعقد لأنه ليس فيه قُوًى مستفادةٌ مأخوذة من قُوى الجواهرِ والماء هو الجوهرُ القابلُ لجميع القُوَى فبضربٍ من القُوى والقبول يصير دُهنًا وبضرب آخر يصير خلاًّ وبضرب آخر يصير دمًا وبضرب آخر يصير لبَنًَا وهذه الأمور كلها إنَّما اختلفت بالقُوى العارضة فيها فالجوهرُ المنقلبُ في جميع الأجرام السّيَّالة إنما هو الماء فيصير عند ضرب من وعصير كل شيء ماؤه والقابلُ لِقُوى ما فيه فإذا طبخْتَ الماء صِرْفًا سالمًا على وجهه ولا قُوَى فيه لم ينعقد وانحلَّ بُخارًا حتى يتفانى وإنما ينعقد الكامن من الملابس له فإذا صار الماء )
في البدنِ