التي في الأسواق مأواها )
وبعد فمن أخطأُ وأظلمُ ممَّن يكلِّف السباعَ أَخلاقَ الناس وعادات البهائِم وقد علمْنا أنّ سباعَ الأرض عن آخرها إنَّما تَهيج وتَسرح وتلتَمس المعيشةَ وتتلاقى على السفاد والعظال ليلًا لأنها تبصر بالليل . ( سبب اختيار الليل للنوم ) وإنما نام الناسُ بالليل عن حوائِجِهم لأنّ التمييز والتفصيل والتبيُّن لا يمكنهم إلاّ نهارًا وليس للمتعَب المتحرِّك بدٌّ من سكون يكون جَمامًا له ولولا صرفُهم التماسَ الجَمام إلى الوقت الذي لو لم يناموا فيه والوقتُ مانع من التمييز والتبيُّن لكانت الطبائعُ تنتقض فجعلوا النَّوم بالليل لضربين: أحدهما لأنّ الليلَ إذ كان من طبعه البرد والرُّكود والخُثورة كان ذلك أنزَعَ إلى النوم وما دعا إليه لأنّه من شكله وأمّا الوجه الآخر فلأنّ الليلَ موحِشٌ مخُوف الجوانب من الهوامِّ والسباع ولأنّ الأشياء المبتاعةَ والحاجات إلى تمييز الدنانير والدراهم والحبوب والبزور والجواهر وأخلاط العطر والبَرْبَهار وما لا يحصى عدده فقادتهم طبائعُهم وساقتهم غرائزهم إلى وضعِ النوم في موضعه والانتشار