والتصرف في موضعه على ما قدَّر اللّه تعالى من ذلك وأحبَّه وأمَّا السباع فإنها تتصرَّف وتبصر بالليل ولها أيضًا عللٌ أخرى يطول ذكرُها .
وأمَّا ما ذكرتموه من نوم الملوك بالنَّهار وسهرهم بالليل فإنّ الملوكَ لم تجهلْ فضلَ النوم بالليل والحركةِ بالنهار ولكنَّ الملوك لكثرة أشغالها فضلَت حوائِجها عن مقدار النهار ولم يتّسع لها فلما استعانَت بالليل ولم يكن لها بدٌّ من الخلوة بالتدبير المكتوم والسرِّ المخزون وجمعت المقدارَ الفاضلَ عن اتِّسَاع النهار إلى المقدارِ الذي لا بدَّ للخلوة بالأسرار منه أخذتْ من الليل صدرًا صالحًا فلمَّا طال ذلك عليها أعانها المِران وخفَّ ذلك عليها بالدُّربة .
وناسٌ منهم ذهبوا إلى التناول من الشراب وإلى أن سَماع الصوت الحسن مما يزيد في المُنّة ويكون مادَّةً للقوة وعلموا أنّ العوامَّ إذا كانت لا تتناول الشّرابَ ولا تتكلّف السماع على هذا المعنى أن ظنّها سيسوءُ وقولَهَا سيكثُر فرأوا أنّ الليل أسترُ وأجدرُ أن يتمَّ به التدبير وقال الراجز: اللَّيلُ أخفَى والنَهارُ أفْضَحُ وقالوا في المثل: اللَّيل أخفَى للويل .