( دلالة الدقيق من الخلق على اللّه ) ثمّ اعلمْ أنَّ الجبلَ ليس بأدلّ على اللّه من الحصاة ولا الفَلكَ المشتمل على عالَمنا هذا بأدلَّ عَلَى اللّه من بَدَن الإنسان وأنَّ صغيرَ ذلك ودقيقَهُ كعظيمهِ وجليله ولم تفترقِ الأمورُ في حقائقها وإنما افترقَ المفكّرون فيها ومَن أهمَل النَّظر وأغفَلَ مواضع الفَرْق وفَصولَ الحدود .
فمنْ قِبَلِ ترْكِ النَّظر ومن قِبَلِ قطْع النَّظر ومن قِبَل النظر من غير وجه النَّظَرِ ومن قِبَل الإخلال ببعض المقدّمات ومن قِبَل ابتداء النَّظر من جهَة النَّظرِ واستتمام النظر مع انتظام المقدّمات اختلَفوا .
فهذه الخصالُ هِيَ جُمَّاع هذا الباب إلاّ ما لم نذْكرْه من بِاب العجز والنقص فإن الذي امتنع وإنما ذكرنا بَابَ الخطأ والصَّواب والتَّقصير والتكميل فإِياك أن تسيءَ الظَّنّ بشيءٍ من الحيوان لاضطراب الخلق ولتفاوُت التركيب ولأنّه مشنوءٌ في العين أو لأنّه قليلُ النّفعِ والرَّدِّ فإنَّ الذي تظُّنُّ أنَّه أقلُّها نفعًا لعله أن يكون أكثرَها ردًّا فإلاَّ يكن ذلك من جهةِ عاجلِ أمرِ الدنيا