وإنما الألفاظ على أقدار المعاني فكثيرُها لكثيرها وقليلها لقليلها وشريفُها لشريفها وسخيفها لسخيفها والمعاني المفردةُ البائنة بصٍُ ورها وجهاتها تحتاج من الألفاظ إلى أقلَّ مما تحتاج إليه المعاني المشتركة والجهاتُ الملْتبسة .
ولو جَهِد جميعُ أهل البلاغة أن يُخبروا من دونهم عن هذه المعاني بكلام وجيز يُغْني عن التفسير باللِّسان والإشارة باليد والرأس لما قَدَرُوا عليه وقد قال الأوّل: إذا لم يكنْ ما تُريدُ فأرِدْ ما يكون وليس ينبغي للعاقل أن يسُوم اللُّغاتِ ما ليس في طاقتها ويسومَ النُّفوس ما ليس في جِبلَّتها ولذلك صار يحتاجُ صاحبُ كتاب المنطق إلى أنْ يفسِّره لِمَنْ طُلب مِنْ قبَلِه علم المنطق وإن كان المتكلمُ رفيق اللِّسان حسن البيان إلاّ أنِّي لا أشُكُّ على حالٍ أنَّ النفوسَ إذْ كانتْ إلى الطَّرائف أحنَّ وبالنَّوادر أشغف وإلى قصار الأحاديث أمْيل وبها أصبَّ أنَّها خليقةٌ لاستثقال الكثير وإن استحقَّت