وقال الفضل بن عيسى بن أبان في قصصه: سَل الأَرْضَ فقلْ: مَنْ شقَّ أنهارَكِ وغَرَسَ أشجارَكِ وجَنَى ثِمارَكِ فإنْ لم تُجبكَ حِوارًا أجابتْكَ اعتبارًا .
فموضوعُ الجسم ونَصْبته دليلٌ على ما فيه وداعيةٌ إليه ومنبهة عليه فالجمادُ الأبكمُ الأخرسُ من هذا الوجه قد شارَكَ في البيان الإنسانَ الحيَّ الناطق فمَنْ جَعَل أقسام البيانِ خمسة فقد ذهَبَ أيضًا مذهبًا له جوازٌ في اللّغة وشاهدٌ في العقل فهذا أحدُ قِسمَي الحكمة وأحَدُ مَعْنَيَيْ ما استخرنها اللّه تعالى من الوديعة .
والقسمة الأُخرى ما أودَع صدور صنوفِ سائر الحيوان مِنْ ضُرُوبِ المعارف وفَطَرها عليه من غريب الهداياتِ وسخَّر حناجِرَها لَهُ من ضروبِ النَّغَم الموزونة والأَصواتِ الملحنة والمخارِجِ الشجِيَّة والأغاني المطربة فقد يقال إنَّ جميعَ أصواتها معدَّلة وموزونة موقَّعة ثمَّ )
الذي سهَّل لها من الرفق العجيبِ في الصنعة مما ذلَّله اللّه تعالى لمناقيرها وأكُفِّها وكيف فَتَحَ لها من باب المعرفةِ على قدر ما هَيَّأَ لها من الآلة وكيفَ أَعطَى كثيرًا مِنها مِنَ الحسِّ اللطيفِ والصنْعةِ البديعة من غير تأديبٍ وتثقيف ومن غير تقويمٍ وتلقين ومن غير تدريج وتمرين فبَلَغَتْ بِعَفوها وبمقدار قوى فِطرتها من البَديهةِ