وكُنوزِ الآداب وينابيعِ العلمِ إلاّ بالعقلِ الثاقب اللطيف وبالنظرِ التامِّ النافذ وبالأداةِ الكاملة وبالأسبابِ الوافرة والصبرِ على مكروه الفكر والاحتراسِ من وُجوه الخُدَع والتحفُّظِ مِن دواعي الهوى ولأنَّ الشِّكلَ أفهَمُ عن شِكله وأسكَنُ إليه وأصَبُّ به وذلك موجودٌ في أجناسِ البهائم وضُروبِ السباع والصبيُّ عن الصبيِّ أفهمُ له وله آلفُ وإليه أنزَع وكذلك العالِمُ والعالم والجاهل والجاهل وقال اللّه عزّ وجلّ لنبيِّه عليه الصلاة والسلام: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا لأَنَّ الإنسان عن الإنسان أفهم وطباعَه بطِباعه آنس وعلى قدْر ذلك يكونُ موقعُ ما يسمع منه .
ثمَّ لم يرضَ لهم من البنيان بصِنفٍ واحد بل جَمع ذلك ولم يفرِّق وكثَّر ولم يقلِّل وأظهَرَ ولم يُخْفِ وجعَل آلة البيانِ التي بها يتعارَفُون معانِيَهُم والتَّرْجُمانَ الذي إليه يرجِعون عند اختلافِهم في أربعة أشياء وفي خَصْلةٍ خامسة وإن نقصت عن بلوغ هذه الأربعة في جهاتها فقد تُبدَّل بجنسها الذي وَضِعت له وصُرفتْ إليه وهذه الخصال هي: اللفظ والخطّ والإشارة والعَقْد والخَصلة الخامسة ما أوجَدَ من صحَّة الدَّلالةِ وصدقِ الشهادة ووُضوحِ البرهان في الأَجْرَامِ الجامدة والصامتة والساكنة التي لا تَتَبيَّن ولا تحسُّ ولا تَفهَم ولا تتحرَّك إلاّ بداخلٍ يدخل عليها أو عندَ مُمْسِكٍ خلِّي عنها بعد أََنْ كان تقييده لها .
ثمَّ قسّم الأقسامَ ورتَّب المحسوسات وحصَّل الموجوداتِ فجعل اللفظَ للسامع وجعل الإشارةَ للناظر وأشرَك الناظرَ واللامس في معرفة