حيثُ أرَادَ أن يهجوَه منه فإن كان الكلبُ بِفرط إلفِه وشكرِه كفَّ عن اللصِّ عندَ ذِكر إحسانه وإثبات صورتِهِ فما أكثرَ منْ يُفْرِط عليه الحياءُ حتَّى ينسب إلى الضَّعف والكرم وحتَّى ينسَب إلى الغفلة ورُبَّما شاب الرَّجُلُ بعضَ الفطنة ببعض التَّغافل ليكون أتَمَّ لكَرمه فإنَّ الفطنة إذا تمَّت منعت من أمورِ كثيرة ما لم يكن الخِيمُ كريمًا والعِرْق سليمًا . وإنك أيُّها المتأوِّل حينَ تكلِّف الكلبَ مع ما قد عَجَّلَ إليه اللصّ من اللَّطَف والإحسان أنْ يتذكّرَ نعمةً سالفة وأنْ يحترس من خديعة المحسِن إليه مخافة أنْ يكونَ يُريغُ بإكرامه سوءًا لَحسَنُ الرأيِ فيه بعيدُ الغايةِ في تفضيله ولو كان للكلبِ آلة يعرِف بها عواقبَ الأمورِ وحوادثِ الدهور وكان يوازن بينَ عواجلها وأواجلها وكان يعرف مصادرها ومواردَها ويختار أنقص الشرّين وأتمَّ الخيرين ويتَثبَّتُ في الأمور ويخاف العَيب ويأخذ بحجَّةٍ ويُعطي بحجَّة ويعرف الحُجَّة من الشُّبهة والثِّقَةِ من الرّيبة ويتثبَّت في العلَّة ويخاف زَيغ الهوى وسرَف الطبيعة لكانَ من كبارِ المكلَّفين ومن رُؤُوس الممتَحنين .