أفضلِ حال فاشتدَّ تعجُّبي من ذلك فلم ألبَثْ أن دَنَوا إلى أفواه الزَّوج الكبار يصنعان كما يصنع الفرْخ في طلب الزَّقِّ ورأيتهما حين زقَّاهما فإذا هما لما اشتدّ جوعُهما وكانا يريانهما يزقّان الفَرخَين وَيَريانِ الفرخَين كيفَ يستطعمان ويستَزِقَّانِ حملَهُما الجوعُ وحبُّ العيش وَتَلَهُّبُ العطش وما في طبعِهما من الهدايَةِ على أَنْ طلبا مَا يطلَبُ الفرْخُ فَزَقّاهما ثم صار الزَّقُّ عادةً في الطيَّار والاستطعَامُ عادةً في المقصوص .
من عجائب الحمام ومِن الحمام حمامٌ يزُقُّ فراخه ولا يزقُّ شيئًا من فِراخ غيره وإن دنا منه مع فراخهِ فرخٌ مِنْ فراخ غيره وشاكَلَ فرخيه في السِّنِّ واللَّون طردهما ولم يزقَّهما ومن الحمام ما يزقُّ كلَّ فرخٍِ دنا منه كما أنَّ من الحمام حمامًا لا يزُقُّ فراخَه البتّةَ حتَّى يموت وإنَّما تعظُم البليّة ُّ على الفَرخ إذا كان الأبُ هو الذي لا يزقّ لأنَّ الوِلادةَ وعامَّة الحضْن والكَفْل على الأمّ فإذا ظهر الولد فعامَّةُ الزَّقِّ على الأب كأنه صاحب العِيال والكاسِب عليهم وكالأمِّ التي تلد وتُرضِع .