رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فنَظَرْتُ عَنْ يَمِيني وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا [1] ، فَغَمَزَنِي [2] أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: يَا عَمُّ! هَلْ تَعْرِفُ أَبا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ [3] حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا [4] ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ -رضي اللَّه عنه-: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ.
قَالَ: فَغَمَزَنِيَ الآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ [5] أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الذِي تَسْأَلَانِي عَنْهُ، فَابْتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، حَتَّى قَتَلَاهُ [6] ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَأَخْبَرَاهُ.
(1) أي بين رجلين أقوى من الرجلين اللذين كنت بينهما وأشَدّ. انظر النهاية (3/ 89) .
(2) الغَمْزُ: الإشارة بالعَيْن أو الحاجب أو اليد. انظر النهاية (3/ 346) .
(3) قال الإمام النووي في شرح مسلم (12/ 55) : سَوَادِي سَوَاده: أي شخصي شخصه.
(4) قال الإمام النووي في شرح مسلم (12/ 55) : أي لا أفارقه حتى يموت أحدُنَا وهو الأقرب أجلًا.
(5) فلم أنْشَبْ: أي فلم ألبث. انظر النهاية (5/ 45) .
(6) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - قال عبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه عنه-: فشَدَّا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه.
قال الحافظ في الفتح (8/ 40) : والصقر هو من سِبَاع الطير، وأحد الجوارح الأربعة =