وَكَانَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَالمُنْذِرُ بنُ عُقْبَةَ الأَنْصَارِيُّ فِي سَرْحِ [1] المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُنْبِئْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى مَوْضِعِ الوَقْعَةِ، فَقَالَا: وَاللَّهِ إِنَّ لِهَذِهِ الطَّيْرِ لَشَأْنٌ، فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا، فَإِذَا أصْحَابُهُمْ في دِمَائِهِمْ، وَإِذَا الخَيْلُ التِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ، فَقَالَ المُنْذِرُ بنُ عُقْبَةَ لِعَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ: مَا ترَى؟
قَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فنخْبِرَهُ الخَبَرَ، فَقَالَ المُنْذِرُ بنُ عُقْبَةَ -رضي اللَّه عنه-: لَكِنِّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ المُنْذِرُ بنُ عَمْرٍو [2] ، وَمَا كُنْتُ لِتُخْبِرَنِي عَنْهُ الرِّجَالُ، ثُمَّ قَاتَلَ القَوْمَ حَتَّى قُتِلَ -رضي اللَّه عنه-، وَأَخَذُوا عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ -رضي اللَّه عنه- أَسِيرًا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ، أَخَذَهُ عَامِرُ بنُ الطُّفيْلِ وَجَزَّ [3] نَاصِيَتَهُ [4] وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ، وَرَجَعَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ -رضي اللَّه عنه- إلى المَدِينَةِ وَأَخْبَرَ الرَّسُولَ -صلى اللَّه عليه وسلم- [5] .
كَانَ مِنْ بَيْنِ القَتْلَى عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -رضي اللَّه عنه- [6] ، وَقَدْ ظَهَرَتْ لَهُ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ
(1) السَّرْحُ: المَاشِيَةُ. انظر النهاية (2/ 322) .
(2) هو المُنْذِرُ بن عمرو بن أبي خُنَيْسٍ من بني ساعِد من الخَزْرَجِ، وكان -رضي اللَّه عنه- عَقَبِيًّا بَدْرِيًا من أكابر الصَّحَابَة. انظر الإصابة (6/ 171) .
(3) الجَزُّ: قصُّ الشعر. انظر النهاية (1/ 259) .
(4) الناصية: مَنْبَتُ الشَّعر في مقدم الرأس. انظر لسان العرب (14/ 169) .
(5) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (2/ 275) - سيرة ابن هشام (5/ 203) - دلائل النبوة للبيهقي (3/ 339 - 340) .
(6) قتله جبَّار بن سُلمى، ثم إنه وفد على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في عام الوفود، فأسلم وحسن إسلامه -رضي اللَّه عنه-. انظر أسد الغابة (1/ 302) .