أصْنَعُ، فَوَاللَّهِ مَا التَفَتَ إِلَيَّ واحد مِنْهُمَا، مَعَ مَا بِهِمَا مِنَ الغَمِّ. قَالَتْ: وسَمِعْتُ عَمِّي أبَا يَاسِرٍ، وهُوَ يَقُولُ لِأَبِي حييِّ بنِ أخْطَبٍ: أهُوَ هُو؟
قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: أتعْرِفه وتُثْبِتُهُ؟ . قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا في نَفْسِكَ مِنْهُ؟ قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ [1] .
لَمَّا رَأَى اليَهُودُ انْتِشَارَ الإِسْلَامِ في المَدِينَةِ حَتَّى لَمْ تبقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلَّا أَسْلَمَ أَهْلُهَا، أظْهَرُوا الحِقْدَ والحَسَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونَصَبُوا العَدَاوَةَ له وَلِأَصْحَابِهِ.
وانْضَافَ إِلَيْهِمْ رِجَالٌ مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، مِمَّنْ كَانَ عَسَا [2] عَلَى جَاهِلِيَّتهِ، فَكَانُوا أَهْلَ نِفَاقٍ [3] عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ مِنَ الشِّرْكَ والتَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ، إِلَّا أَنَّ الإِسْلَامَ قَهَرَهُمْ بِظُهُوره، واجْتِمَاعِ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِ، فتَظَاهَرُوا بِالإِسْلَامِ، واتَّخَذُوهُ جُنَّةً [4] مِنَ القَتْلِ، ونَافَقُوا في السِّرِّ، وَكَانَ هَوَاهُمْ مَعَ يَهُودٍ لِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَجُحُودِهِمُ الإِسْلَامَ [5] .
(1) انظر سيرة ابن هشام (2/ 132) .
(2) عَسَا: كَبِرَ وأسَنَّ، وعسَا عَسْوَا: غلُظَ واشتَدَّ. انظر لسان العرب (9/ 213) .
(3) لم يَظهَر النفاق في المدينة إلا بعدَ غزوة بدر الكبرى كما سيأتي.
(4) جُنَّة: أي وِقَايَةٌ، ومنه قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- كما في الصحيحين في الصوم:"الصَّومُ جُنّة"أي يَقِي صاحبَهُ ما يُؤذيهِ من الشَّهوات. انظر النهاية (1/ 297) .
(5) انظر سيرة ابن هشام (2/ 127) .