سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعِنَاجُ [1] الْأَمْرِ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَاتَّجَهُوا نَحْوَ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيعَادٍ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ [2] .
وَقَبْلَ خُرُوجِ الْأَحْزَابِ وَتَوَجُّهِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ خُزَاعَةَ الْمَدِينَةَ وَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَمْرَ الْأَحْزَابِ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَحْزَابُ مِنَ الْأَمْرِ، دَعَا النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُمْ، وَشَاوَرَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ -رضي اللَّه عنه- بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ حُرٌّ [3] ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا بِفَارِسَ إِذَا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وَكَانَتْ خُطَّةً حَكِيمَةً لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَبَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى تَنْفِيذِ هَذِهِ الخُطَّةِ، فَأَمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ -وَهِيَ عَوْرَةُ الْمَدِينَةِ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُهَاجِمُونَ نَفَاذًا إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَّا مِنْهَا- بَيْنَ حَرَّتَيِّ [4] وَاقِمٍ وَالْوَبْرَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ مُشَبَّكَةً بِالْبُنْيَانِ وَمُحَاطَةً
(1) عِنَاجُ الأمرِ: أي أَنَّهُ كَانَ صاحبَهُمْ ومُدَبِّرَ أمرِهم، والقائِمَ بشؤونهِمْ. انظر النهاية (3/ 278) .
(2) انظرِ التَّفاصيلَ فِي: سيرةِ ابنِ هشامٍ (3/ 238) - دلائلِ النُّبوَّةِ للبيهقي (3/ 398) .
الطبَّقَاتِ الكُبْرى لابنِ سعد (2/ 282) - شرحِ المواهب (3/ 21) - تفسيرِ ابن كثير (6/ 384) .
(3) انظر خبر رقه -رضي اللَّه عنه- وكيف أُعتق عند الكلام على نزول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قباء لما قدم المدينة.
(4) الحَرَّةُ: هي أرضٌ بظاهرِ المدينةِ بها حجارةٌ سودٌ كثيرةٌ. انظر النِّهاية (1/ 351) .