أَكْمَلَ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- طَرِيقَهُ إِلَى المَدِينَةِ وَمَعَهُ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رضي اللَّه عنه- وَعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -رضي اللَّه عنه-، وَالدَّلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطٍ، وَفِي الطَّرِيقِ مَرُّوا عَلَى خَيْمَةِ أَمٍّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَ مَنْزِلُهَا بِقُدَيْدٍ [1] ، وَكَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً [2] جَلْدَةً [3] تَحْتَبِي [4] بِفِنَاءِ [5] الخَيْمَةِ، ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ مَنْ مَرَّ بِهَا، فَسَأَلَاهَا: لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوا مِنْهَا، فَلَمْ يَجْدُوا عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ القَوْمُ مُرْمِلِينَ [6] مُسْنِتِينَ [7] ، فنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى شَاةٍ فِي جَانِبِ الخَيْمَةِ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟"، قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الجَهْدُ [8] عَنِ الغَنَمِ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟"، قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"أَتأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا؟"، قَالَتْ: إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلَبًا، فَاحْلِبْهَا، فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَمَسَحَ بِيَدِهِ
(1) قُدَيدٌ: مُصَغَّرًا، وهو موضعٌ بين مكةَ والمدينة. انظر النهاية (4/ 20) .
(2) يُقال: امرأة بَرْزَة إذا كانت كَهْلة لا تَحْتَجِبُ احتِجَابَ الشَّوابِّ، وهي مع ذلك عَفِيفة عاقلة تجلسُ للناسِ وتُحَدِّثهم، من البُرُوزِ وهو الظُّهور والخروج. انظر النهاية (1/ 118) .
(3) جَلْدَة: أي قوية في نفسها وجسمها. انظر النهاية (1/ 275) .
(4) الاحتِبَاء: هو أن يَضُم الإنسان رِجليه إلى بَطْنِهِ بثوبٍ يجمعهما به مع ظَهره، ويَشُدُّه عليها، وقد يكون الاحتباءُ باليدين عِوَض الثوب. انظر النهاية (1/ 324) .
(5) الفِنَاء: بكسر الفاء، وهو المُتَّسَع أمام الدار. انظر النهاية (3/ 428) .
(6) مُرْمِلِينَ: أي نَفِدَ زَادُهم. وأصله من الرَّمل، كأنهم لصقوا بالرمل. انظر النهاية (2/ 240) .
(7) مسْنِتِينَ: أي أصابتهم السَّنَة، والسَّنَة هي الجَدْبُ، يُقال أخذتهم السَّنَة إذا أجدبوا وأُقحطوا. انظر النهاية (2/ 371) .
(8) الجَهْدُ: بفتح الجيم أي المشقَّة. انظر النهاية (1/ 308) .