مُسْتَخْفِيَيْنِ مَرَّا بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا فَاسْتَسْقَيَاهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَاةٌ تُحْلَبُ غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا عَنَاقًا [1] حَمَلَتْ أَوَّلَ الشِّتَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَتْ، وَمَا بَقِيَ لَهَا لَبَنٌ، فَقَالَ:"ادْعُ بِهَا"، فَدَعَا بِهَا فَاعْتَقَلَهَا [2] النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَمَسَحَ ضَرْعَهَا [3] وَدَعَا حَتَّى أَنْزَلَتْ، قَالَ: وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه- بِمِحْجَنٍ [4] ، فَحَلَبَ فَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ حَلَبَ فَسَقَى الرَّاعِي، ثُمَّ حَلَبَ فَشَرِبَ، فَقَالَ الرَّاعِي: بِاللَّهِ مَنْ أَنْتَ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"أَوَتُرَاكَ تَكْتُمُ عَلَيَّ حَتَّى أَخْبِرُكَ؟"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، فَقَالَ الرَّاعِي: أَنْتَ الذِي تَزْعُمُ قُرَيْشٌ أَنَّهُ صَابِئٌ [5] ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ ذَلِكَ"، فَقَالَ الرَّاعِي: فَأَشْهَدُ إِنَّكَ نَبِيٌّ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا فَعَلْتَ إِلَّا نَبِيٌّ وَأَنَا مُتَّبِعُكَ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنَا" [6] .
(1) العَنَاق: هي الأنْثَى من أولاد المَعْزِ ما لم يتمَّ له سَنة. انظر النهاية (3/ 281) .
(2) اعتَقَل الشاة: هو أن يضعَ رِجْلها بين ساقِهِ وفخذِه ثم يَحلب، وقد مرَّ شرحها. انظر النهاية (3/ 255) .
(3) الضَّرْعُ: ثديُ الشاة، وقد مر شرحها. انظر فتح الباري (7/ 332) .
(4) المِحْجَنُ: عَصا مُعَقَّفَةُ الرأس. انظر النهاية (1/ 335) .
(5) يُقال: صَبَأَ فلان: إذا خرَجَ من دينٍ إلى دينٍ غيره، وكانتِ العربُ تُسمي الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الصابِئَ؛ لأنه خَرج من دينِ قُريش إلى دين الإسلام. انظر النهاية (3/ 3) .
(6) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب ذكر مقامات مرور النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عند الهجرة - رقم الحديث (4332) - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (2/ 497) .