أَنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ، فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رضي اللَّه عنه-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَوَّدَكَ اللَّهُ في الدُّعَاءِ خَيْرًا، فَادْعُ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَلَمْ يَرْجِعْهُمَا حَتَّى أَظَلَّتْ سَحَابَةٌ، فَسَكَبَتْ [1] ، فَمَلَأُوا مَا مَعَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ، فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ [2] .
وَأَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ حَتَّى اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في نَحْرِ نَوَاضِحِهِمْ [3] لِيَأْكُلُوا مِنْهَا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"افْعَلُوا"، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي اللَّه عنه-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ [4] ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّه لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي
(1) سَكَبَ الْمَاءَ: صَبَّهُ. انظر لسان العرب (6/ 302) .
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (1383) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (582) - وأورده الذهبي في السيرة النبوية (2/ 239) وقال: حديث حسن قوي - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/ 12) وجود إسناده.
(3) النَّوَاضِحُ: الْإِبِلُ التي يُسْتَقَى عليها، واحدتها: نَاضِحٌ. انظر النهاية (5/ 59) .
(4) الظَّهْرُ: الإِبِلُ التي يُحْمَلُ عليها وتُرْكَبُ. انظر النهاية (3/ 151) .