لَمْ يَخْرُجُوا فِي غَزْوَةٍ قَطُّ مِثْلِهَا، فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ رَأْسُ المُنَافِقِينَ، وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُمْ رَغْبَةً فِي الجِهَادِ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا لِإِثَارَةِ الفِتْنَةِ وَالِارْتِبَاكِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
وَقَدْ حَدَثَ حَادِثَانِ عَظِيمَانِ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ بِسَبَبِ المُنَافِقِينَ:
فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى ذَلِكَ المَاءَ، إِذِ ازْدَحَمَ رَجُلَانِ عَلَى المَاءَ، الأَوَّلُ مِنَ المُهَاجِرِينَ [1] ، وَالثَّاني مِنَ الأَنْصَارِ [2] ، فَكَسَعَ [3] المُهَاجِرِيُّ الأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَالَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقَالَ:"مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟".
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ [4] ، لِيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ"
(1) سمى ابن إسحاق في السيرة (3/ 318) الرجل المهاجري: وهو جَهْجَاهُ بن سعيد، وقيل مسعود الغفاري، وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- يقود له فرسه.
وهو ممن شهد بيعة الرضوان -رضي اللَّه عنه-. انظر الإصابة (1/ 621) .
(2) سمى ابن إسحاق في السيرة (3/ 318) الرجل الأنصاري: وهو سنان بن وبرة الجهني.
(3) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 644) : الكَسْعُ: ضرب الدُّبُرِ باليَدِ أو بالرِّجْل.
(4) النَّتْنُ: الرائحة الكريهة، ومعنى الحديث أن الدعوى بدعوى الجاهلية مذمومة في الشرع مجتَنَبَةٌ مكروهة، كما يُجْتَنَبُ الشيء النَّتِن. انظر لسان العرب (14/ 36) - النهاية (5/ 12) .
قلت: جاء التَّحذِيرُ من الدعوةِ بدعوى الجاهلية في أحاديثَ كثيرةٍ منها: ما أخرجه =