يَأْخُذُنِي فَيَجْدَعَ أَنْفِي وَأُذُنِي، فَإِذَا لَقِيتُكَ غَدًا قُلْتَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ فِيمَ جُدِعَ أنْفُكَ وَأُذُنُكَ؟ فَأَقُولَ: فِيكَ وَفِي رَسُولكَ، فَيَقُولَ: صَدَقْتَ.
قَالَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رضي اللَّه عنه-: يَا بَنِيَّ كَانَتْ دَعْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ خَيْرًا مِنْ دَعْوَتِي، لَقَدْ رَأَيْتُهُ آخِرَ النَّهَارِ، وَإِنَّ أُذُنَهُ وَأَنْفَهُ لَمُعَلَّقَاتٍ في خَيْطٍ [1] .
هَذِهِ صُورَةٌ لِلرُّجُولَةِ الفَارِعَةِ [2] التِي اصْطَدَمَ بِهَا الكُفْرُ أَوَّلَ المَعْرَكَةِ وَآخِرَهَا، فَمَادَ [3] أَمَامَهَا، وَاضْطَرَبَتْ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِ الأَرْضُ، فَمَا رَبِحَ شَيْئًا في بِدَايَةِ القِتَالِ، وَلَا انتفَعَ بِمَا رَبِحَ آخِرَهُ. . . مَنْ سِرُّ هَذَا الإِلْهَامِ؟ مَنْ مُشْرِقُ هَذَا الضِّيَاءَ؟ مَنْ مُبْعِثُ هَذَا الِاقْتِدَارِ؟ إِنَّهُ مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-! إِنَّهُ هُوَ الذِي رَبَّى ذَلِكُمُ الجِيلَ الفَذَّ، وَمِنْ قَلْبِهِ الكَبِيرِ أُتْرِعَتْ [4] هَذِهِ القُلُوبُ تَفَانِيًا في اللَّهِ، وَإِيثَارًا لِمَا عِنْدَهُ [5] .
وَسَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ -رضي اللَّه عنه- هُوَ الذِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -رضي اللَّه عنه-، وَكَانَ -رضي اللَّه عنه- مِنْ أَغْنِيَاءَ الأَنْصَارِ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ في
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك صححه - كتاب الجهاد - باب من سأل اللَّه القتل من عند نفسه - رقم الحديث (2456) - وأورده الحافظ في الفتح (6/ 378) وصحح إسناده.
(2) الفارعَةُ: العالية. انظر لسان العرب (10/ 238) .
(3) مادَ: زاغَ. انظر لسان العرب (13/ 229) .
(4) ترع: امتلأَ. انظر لسان العرب (2/ 29) .
(5) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص 263.