وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَبَ إِلَيْهِم كِتَابًا يَدْعُوهُم فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوِ الْجِزْيَةِ، وَإِلَّا آذَنَهُمْ بِحَربٍ، فَذُعِرَ أَهْلُ نَجْرَانَ ذُعْرًا شَدِيدًا، فبعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَفْدَهُم، وَكَانُوا سِتِّينَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَربَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِم يَؤُولُ أَمْرُهُمْ، أَحَدُهُمْ: الْعَاقِبُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَذُو رَأْيِهِمْ، وَالذِي لَا يَصْدِرُونَ [2] إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ، وَالثَّانِي: السَّيِّدُ، وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ، وَيُقَالُ: شُرَحْبِيلُ، وَهُوَ ثِمَالُهُمْ [3] ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَالثَّالِثُ: الْأُسْقُفُ، وَاسْمُهُ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ حَبْرُهُمْ [4] وَإِمَامُهُمْ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْوَفْدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْتَقَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ
(1) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 428) نَجْرَان: بفتح النون وسكون الجيم: بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن.
(2) صَدَرَ: رجع. انظر لسان العرب (7/ 301) .
(3) الثِّمَال: بكسر الميم: الملجأ والغياث. انظر النهاية (1/ 216) .
(4) الْحَبْرُ: بفتح الحاء: العالِم، وكان يُقال لابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الحَبر والبحر؛ لعلمه وسعته. انظر النهاية (1/ 317) .