ثُمَّ أَيْقَظَ عَمَّارًا، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَدْ أُتِيتُ [1] ، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ -زَوْجُ الْمَرْأَةِ-، عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذِرُوا [2] بِهِ، فَهَرَبَ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعَبَّادٍ، وَقَدْ رَأَى مَا بِهِ مِنَ الدِّمَاءَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي [3] أَوَّلَ مَا رَمَاكَ؟
فَقَالَ عَبَّاد -رضي اللَّه عنه-: كُنْتُ في سُورَةٍ [4] أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ، رَكَعْتُ فَآذَنْتُكَ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِحِفْظِهِ؛ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا [5] .
قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُنَّا مَعَ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِلرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المَدِينَةِ أَدْرَكَتْهُ القَائِلَةُ [6] في وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ [7] ، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-
(1) يُقال: أُتي فلأن: إذا أطَلَّ عليه العدو، وأشرف عليه. انظر لسان العرب (1/ 67) .
(2) نَذِروا به: أي علموا به. انظر لسان العرب (14/ 100) .
(3) أَهبّه: نَبّهه. انظر لسان العرب (1/ 252) .
(4) وقع في رواية البيهقي في دلائله (3/ 379) : أنها سورة الكهف.
(5) أخرج قصة عَبّاد -رضي اللَّه عنه-: الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب من لم يَرَ الوضوء إِلَّا من المَخْرَجَيْن القبل والدبر -معلقًا- ووصله الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (14704) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (1096) - والبيهقي في دلائله (2/ 378 - 379) - وابن إسحاق في السيرة (3/ 230) وهو حديث حسن.
(6) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 192) : القائلة: أي وسط النهار وشدة الحرّ.
(7) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 192) : العِضَاه: بكسر العين وتخفيف الضاد: كل شجر يعظم له شوك، وقيل: هو العظيمُ من الشجر مطلقًا.