ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ مِكْرَزَ بنَ حَفْصٍ في نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِبَطْنِ يَأْجَجَ، وَهُوَ في أَصْحَابِهِ وَالهَدْيَ وَالسِّلَاحَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! مَا عُرِفْتَ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا بِالغَدْرِ! تَدْخُلُ بِالسِّلَاحِ في الحَرَمِ عَلَى قَوْمِكَ، وَقَدْ شَرَطْتَ لَهُمْ أَلَّا تَدْخُلَ إِلَّا بِسِلَاحِ المُسَافِرِ، السُّيُوفُ في القُرُبِ! [1] .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"إِنِّي لَا أُدْخِلُ عَلَيْهِمُ السِّلَاحَ".
فَقَالَ مِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ: هَذَا الذِي يُعْرَفُ بِهِ البِرُّ وَالوَفَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ سَرِيعًا بِأَصْحَابِهِ إلى مَكَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَا يدخلُ بِسِلَاحٍ، وَهُوَ عَلَى الشَّرْطِ الذِي شَرَطَ لَكُمْ.
* خُرُوجُ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى الجِبَالِ:
وَقَدْ أُشِيعَتْ في مَكَّةَ إِشَاعَةٌ وَهِيَ: أَنَّ المُسْلِمِينَ القَادِمِينَ لِلْعُمْرَةِ قَدْ أَصَابَتْهُمُ الحُمَّى، فَخَرَجَ أَكْثَرُ أَهْلِ مَكَّةَ إلى الجِبَالِ المُحِيطَةِ بِهَا خَشْيَةَ العَدْوَى، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذَلِك أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالرَّمَلِ [2] -كَمَا سَيَأْتِي-.
* دُخُولُ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَكَّةَ:
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنْ يَأْجَجَ بَعْدَ أَنْ وَضَعَ الأَدَاةَ كُلَّهَا الحَجَفَ [3]
(1) القُرُب بضم القاف والراء، جمع قِراب، وهو غمد السيف. انظر لسان العرب (11/ 86) .
(2) رَمَلَ الرجُلُ: إذا أسرع في مشيته وهَزَّ منكبيه. انظر لسان العرب (5/ 320) .
(3) الحجَفة: نوع من التروس، وهي من الجلودِ خاصة. انظر لسان العرب (3/ 63) .