أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، فَقَالُ:"أَسْلِمُوا". فَأَبَوْا، فَقَالَ لَهُمْ:"فَلْيَرْجِعُوا فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ" [1] .
ثُمَّ قَامَ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعْدَ رُجُوعِ المُنَافِقِينَ بِبَقِيَّةِ الجَيْشِ -وَهُمْ سَبْعُمِائَةِ مُقَاتِلٍ- لِيُوَاصِلَ سَيْرَهُ نَحْوَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مُعَسْكَرُ المُشْرِكِينَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُحُدٍ في مَنَاطِقَ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى القَوْمِ مِنْ كَثَبٍ [2] مِنْ طَرِيقٍ لَا يَمُرُّ بِنَا عَلَيْهِمْ؟".
فَقَامَ أَبُو حَثَمَةَ الْحَارِثِيُّ -رضي اللَّه عنه- فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ اخْتَارَ طَرِيقًا قَصِيرًا إلى أُحُدٍ، يَمُرُّ بِحَرَّةِ بَنِي حَارِثَةَ وَبِمَزَارِعِهِمْ، حَتَّى مَرَّ بِحَائِطٍ [3] لِمِرْبَعِ بنِ قَيْظِيٍّ، وَكَانَ رَجُلًا مُنَافِقًا ضَرِيرَ البَصَرِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالجَيْشِ قَامَ يَحْثُو [4] في وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَيَقُولُ: إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقًّا، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ حَائِطِي، ثُمَّ أَخَذَ حَفْنَةً [5] مِنْ تُرَابٍ في يَدِهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ بِهَا غَيْرَكَ يَا مُحَمَّدُ لَضَرَبْتُ بِهَا وَجْهَكَ، فَابْتَدَرَ [6] إِلَيْهِ سَعْدُ بنُ زَيْدٍ الأَشْهَلِيُّ -رضي اللَّه عنه-، فَضَرَبَهُ
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الجهاد - باب لا نستعين بالمشركين على المشركين - رقم الحديث (2610) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (2580) .
(2) الكَثَبُ: القُرْب. انظر النهاية (4/ 132) .
(3) الحائطُ: هو البُسْتان. انظر النهاية (1/ 444) .
(4) حثَا: رَمى. انظر النهاية (1/ 327) .
(5) الحفْنَة: هي ملءُ الكَفِّ. انظر النهاية (1/ 393) .
(6) بدرَتْ إن الشيء: أسرَعَتْ. انظر لسان العرب (1/ 340) .