المُسْلِمُونَ عَلَى مُحَاصَرَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقَالُ لَهُ: غَزَّالٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ! تُؤَمِّنُنِّي عَلَى أَنْ أَدُلَّكَ عَلَى مَا تَسْتَرِيحُ مِنْ أَهْلِ النَّطَاةِ، وَتَخْرُجُ إِلَى أَهْلِ الشِّقِّ؟
فَأَمَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ غَزَّالٌ: إِنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ شَهْرًا مَا بَالَوْا، لَهُمْ دُبُولٌ [1] تَحْتَ الأَرْضِ، يَخْرُجُونَ بِاللَّيْلِ فَيَشْرَبُونَ مِنْهَا ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى قَلْعَتِهِمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْكَ، فَإِنْ قَطَعْتَ مَشْرَبَهُمْ عَلَيْهِمْ أَصْحَرُوا [2] لَكَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى دُبُولهِمْ فَقَطَعَهَا، فَلَمَّا قَطَعَ عَلَيْهِمْ مَشَارِبَهُمْ خَرَجُوا فَقَاتَلُوا أَشَدَّ القِتَالِ، وَقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ نَفَرٌ، وَأُصِيبَ مِنَ يَهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ نَفَرٌ، وَافْتَتَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَكَانَ هَذَا آخِرَ حُصُونِ النَّطَاةِ [3] .
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنَ النَّطَاةِ تَحَوَّلَ إِلَى مِنْطَقَةِ الشِّقِّ، فَكَانَ أَوَّلُ حِصْنٍ بَدَأَ بِهِ حِصْنَ أُبَي، فَقَاتَلَ أَهْلُهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَدْعُو إِلَى البِرَازِ، فَخَرَجَ لَهُ الحُبَابُ بنُ المُنْذِرِ -رضي اللَّه عنه-، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ رَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَصَاحَ مَنْ يبارِزُ؟ فَخَرَجَ لَهُ أَبو دُجَانَةَ سِمَاكُ بنُ خَرَشَةَ -رضي اللَّه عنه- البَطَلُ
(1) دُبُول: أي جداول ماء، واحدها دَبْلٌ، سُميت به لأنها تُدبل: أي تُصْلَح وتُعمر. انظر النهاية (2/ 94) .
(2) أصْحَرَ القوم: برَزُوا في الصحراء، وقيل: أصْحَرَ القوم: إذا برَزُوا إلى فَضَاءٍ لا يواريهم شيء. انظر لسان العرب (7/ 289) .
(3) انظر دلائل النبوة للبيهقي (4/ 224) .