وَلَمَّا تَقَارَبَتْ سِنُّ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الْأَرْبَعِينَ حَبَّبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ وَحْدَهُ، فكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَهْجُرُ مَكَّةَ كُلَّ عَامٍ لِيَقْضيَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي غَارِ حِرَاءٍ [1] ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَحَنَّثُ [2] بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
= - وأخرجه في كتاب التفسير - باب (1) - رقم الحديث (4923) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رقم الحديث (160) .
(1) حِراءٌ: بكسر الحاء، غارٌ صَغيرٌ في جبَلٍ من جِبَالِ مكَّةَ، يُعرف بجبَلِ النُّورِ. انظر النهاية (1/ 362) .
قال ابن أبي جَمْرَةَ فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (14/ 377) : الحكمةُ في تَخْصِيصِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالتَّخَلِّي في غَارِ حِرَاءٍ أَنَّ المُقِيمَ فيه كان يُمْكِنُهُ رُؤيةُ الكعبةِ، فيجتَمِعُ لِمنْ يَخْلُو فيه ثلاثُ عِبَادَاتٍ: الخَلْوة، والتَّعَبُّدُ، والنَّظَرُ إلى البيتِ.
(2) يَتَحَنَّثُ: أي يَتَعَبَّدُ. انظر النهاية (1/ 432) .
قال الحافظ في الفتح (9/ 736) : . . . وهذا يلتفت إلى مَسْألةٍ أُصُوليّةٍ، وهو أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- هَلْ كَانَ قبلَ أَنْ يُوحى إليهِ مُتَعبدًا بشريعةِ نَبِيٍّ قَبْلَهُ؟ .
قال الجمهور: لا؛ لأنه لو كان تَابعًا لاسْتَبْعَدَ أن يكونَ مَتْبُوعًا، ولأنَّه لو كَانَ لنُقِل مَنْ كان ينسب إليه، وقِيل: نَعَمْ، واختلَفُوا في تعِيينه على ثمَانِيَةِ أقوالٍ: أحدُها آدم عليهِ السَّلامُ، والثَّاني نوحٌ عليهِ السَّلامُ، والثالث إبراهيم عليهِ السَّلامُ ذهب إليه جماعةٌ واستدلوا بقوله تَعَالَى في سورة النحل آية (123) : {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا. . .} ، والرَّابعُ مُوسى عليهِ السَّلامُ، والخامسُ عِيسى عليهِ السَّلامُ، والسادس بكلّ شيء بلغَهُ عن شَرْعِ نبيٍّ من الأنبياء وحجته قوله تَعَالَى في سورة الأنعام آية (90) : {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ، والسَّابع الوقفُ، ولا تَخْفى قوة الثالثِ، ولاسيما مع ما نُقِلَ من ملازمته -صلى اللَّه عليه وسلم- الحج والطَّواف، ونحو ذلك مما بَقِيَ عندهم من شريعةِ إبراهيم عليهِ السَّلامُ، واللَّه أعلم.