ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ إِلَّا الْحَلْقَةَ [1] ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ ثَانِيَةً بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْأَمْوَالِ لَا مِنَ الْحَلْقَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ.
فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَرَادُوا أَنْ يَتَّصِلُوا بِبَعْضِ حُلفائِهِمْ مِنَ الْأَوْسِ لَعَلَّهُمْ يَتَعَرَّفُونَ مَاذَا سَيَحِلُّ بِهِمْ إِذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ، وَجَهَشَ [3] إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ! أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ، يَعْنِي الذَّبْحَ، قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فَوَاللَّهِ مَا
(1) الحَلْقَةُ: بفتح الحاء وسكون اللام: السِّلَاحُ، انظر النهاية (1/ 410) .
(2) أخرج إرسال أبي لبابة -رضي اللَّه عنه- إلى بني قريظة: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (25097) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -صلى اللَّه عليه وسلم- عن مناقب الصحابة - باب ذكر سعد بن معاذ -رضي اللَّه عنه- رقم الحديث (7028) - وابن إسحاق في السيرة (3/ 261) وإسنادها حسن - وأوردها الحافظ ابن كئير في البداية والنهاية (4/ 508) وجود إسنادها.
(3) الْجَهْشُ: أَنْ يفزعَ الإنسانُ إلى الإنسانِ ويلجأَ إليه، وهو مع ذلك يريد البكاء، كما يفزع الصبي إلى أمه وأبيه. انظر النهاية (1/ 310) .