الذِي شَرَحَ اللَّهُ بِهِ صَدْرَهُ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بَعْدَ هَذَا الإنْذَارِ ومَكَّةُ تَمُوجُ بالغَرَابَةِ والِاسْتِنْكَارِ، وتَسْتَعِدُّ لِحَسْمِ هَذِهِ الثَّوْرَةِ التِي انْدَلَعَتْ بَغْتَةً، وتَخْشَى أَنْ تَأْتِيَ عَلَى تَقَالِيدِهَا ومَوْرُوثَاتِهَا [1] .
لَمَّا أظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الدَّعْوَةَ لِلْإِسْلَامِ، وَصَدَعَ بالحَقِّ كَمَا أمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَوْمُهُ، ولَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ، حتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وعَابَهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، أعْظَمُوهُ ونَاكَرُوهُ [2] ، وأجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ وعَدَاوَتِهِ، إِلَّا عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ الذِي حَدَبَ [3] عَلَيْهِ، ومَنَعَهُ وقَامَ دُونَهُ [4] .
ومَضَى رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في دَعْوَتِهِ مُظْهِرًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَرُدُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومُعَكِّرًا عَلَى خُرَافَاتِ الشِّرْكِ وتُرَّهَاتِهِ [5] ، ويَذْكُرُ حَقَائِقَ الأصْنَامِ، وَمَا لَهَا مِنْ قِيمَةٍ فِي الحَقِيقَةِ، يَضْرِبُ بِعَجْزِهَا الأمْثَالَ، ويُبَيِّنُ بِالبَيِّناتِ أَنَّ مَنْ عَبَدَهَا وجَعَلَهَا وَسِيلَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [6] .
(1) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص 97.
(2) المُنَاكَرَةُ: أي المُحَارَبة. انظر النهاية (5/ 100) .
(3) حَدَبَ عليهِ: أي عَطَفَ وأشْفَقَ عَليه. انظر النهاية (1/ 337) .
(4) انظر سيرة ابن هشام (1/ 301) .
(5) التُّرَّهَاتُ: هي كنايةٌ عنِ الأباطيلِ، واحِدُها تُرَّهَة بضم التاء وفتح الراء المشددة، وهي في الأصل الطرق الصِّغار المُتَشَعِّبَةُ عن الطريق الأعظم. انظر النهاية (1/ 184) .
(6) انظر الرحيق المختوم ص 80.