قُلْتُ: وَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ اليَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَنِ الرُّوحِ، وهُوَ في المَدِينَةِ، فَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: بَيْنَمَا أنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَرْثٍ [1] ، وهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ [2] ، إذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ فقالُوا: مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ [3] ؟ لا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءِ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَكانِي، فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْيُ قَالَ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [4] .
قَالَ الحافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: قَدْ يُجابُ عَنْ هَذَا: بأنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ بالمَدِينَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً كَمَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بأَنَّهُ يُجِيبُهُمْ عَمَّا سَأَلُوهُ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمِ إنْزالُها عَلَيْهِ [5] .
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: يُمْكِنُ الجَمْعُ بِأَنْ يَتَعَدَّ النُّزُولُ بِحَمْلِ سُكُوتِهِ في
(1) قال الإمام النووي في شرح مسلم (17/ 113) : أي موضع الزرع.
(2) العَسِيبُ: هو جَرِيدَةُ النَّخْلِ. انظر النهاية (3/ 212) .
(3) ما رَابَكُمْ إليهِ: ما حاجتكم إليه. انظر النهاية (2/ 260) .
(4) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} - رقم الحديث (4721) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين - باب سُؤالِ اليهُودِ للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الروح - رقم الحديث (2794) .
(5) انظر تفسير ابن كثير (5/ 114) .