وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [1] ، فَالمُرَادُ الحُدَيْبِيَةُ، وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [2] ، وَقَوْلُه -صلى اللَّه عليه وسلم-:"لَا هِجَرْةَ بَعْدَ الفَتْحِ" [3] ، فَالمُرَادُ بِهِ فتحُ مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ، فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الإِشْكَالُ، وَتُجْمَعُ الأَقْوَالُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى [4] .
قُلْتُ: وَتُعَدُّ الحُدَيْبِيَةُ فَتْحًا لِلْآتِي:
1 -قَالَ ابنُ هِشَامٍ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى الحُدَيْبِيَةِ في أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ خَرَجَ مَعَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَشَرَةُ آلَافٍ [5] .
2 -الأَمْرُ الآخَرُ أَنَّ بِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ اسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يَتَفَرَّغَ لِعَدُوِّهِ اللَّدُودِ يَهُودِ خَيْبَرَ، وَلَوْلَا الحُدَيْبِيَةُ لَسَاعَدَتْ قُرَيْشٌ يَهُودَ خَيْبَرَ بِالسِّلَاحِ وَالمَالِ، فَحَيَّدَ هَذَا الصُّلْحُ قُرَيْشًا عَنْ مُسَاعَدَتِهَا يَهُودَ خَيْبَرَ.
أَكْمَلَ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- طَرِيقَهُ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْضُ الأَحْدَاثِ مِنْهَا:
(1) سورة الفتح آية (27) .
(2) سورة النصر آية (1) .
(3) هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب فضل الجهاد والسير - رقم الحديث (2783) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها - رقم الحديث (1353) .
(4) انظر كلام الحافظ في الفتح (8/ 209) .
(5) انظر سيرة ابن هشام (3/ 351) .