فَاسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ [1] وَاضْطَبَعَ [2] بِثَوْبِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ، وَكَانَ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ لَمَّا سَمِعُوا بِقُدُومِ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَمَنْ مَعَهُ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ إلى رُؤُوسِ الجِبَالِ غَيْظًا وَحَسَدًا، وَبِسَبَبِ مَا أَشَاعُوهُ مِنْ أَنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابَتْهُمُ الحُمَّى فَأَوْهَنَتْهُمْ [3] ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَصْحَابَهُ بِالرَّمَلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الحُمَّى [4] ، قَالَ: فَأَطْلَعَ اللَّهُ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا [5] ، وَقَعَدَ
(1) المِحْجَن: عصا معقفة الرأس. انظر النهاية (1/ 353) .
(2) الاضْطِبَاع: هو أن يأخذ الإزارُ، فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، ويُلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره، وسُمي بذلك لإبداء الضبعين. انظر النهاية (3/ 68) .
والضَّبُعُ: هو العَضُد. انظر لسان العرب (8/ 16) .
(3) وهنتهم: أي أضعفتهم. انظر فتح الباري (8/ 297) .
(4) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (1602) : حُمّى يثرب.
قال الحافظ في الفتح (4/ 269) : ويؤخذ منه: جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابًا لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم.
(5) في روايةِ ابن إسحاق في السيرة (4/ 18) قال رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"رحِمَ اللَّه امرأً أراهم اليوم من نفسه قُوَّة".
وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2782) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (3812) - بسند صحيح - قال رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"لا يَرى القوم فيكم غَمِيزة"والغميزة بفتح الغين: أي ضعف. انظر لسان العرب (1/ 120) .
قال الإِمام ابن قدامة في المغني (5/ 217 - 220) : الرَّمَلُ سُنَّة في الأشواط الثلاثة =