بِبَدْرٍ اليَوْمُ الثَّالِثُ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ، فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى وَتَبِعَهُ أصْحَابَهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَاهُ يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرِّكيِّ [1] ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِم:"يَا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ، وَفُلَانَ بنَ فُلَانٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟".
فَقَالَ عُمَرُ -رضي اللَّه عنه-: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ".
قَالَ قتادَةُ: أحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أسْمَعَهُمْ قَوْله، تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا، وَنَقِيمَةً وحَسْرَةً ونَدَمًا [2] .
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنسٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى اللَّه عليه وسلم:"يَا أبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، يَا عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ [3] ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإنِّي"
= وقال ابن الجوزي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (6/ 297) : إنما كان يُقِيم ليظهر تأثير الغلبة فكأنه يقول: من كانتْ فيه قوة منكم فليرجعْ إلينا.
(1) قال الحافظ في الفتح (8/ 32) : شَفَةُ الرَّكيِّ: أي طرف البئر.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبي جهل - رقم الحديث (3976) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه - رقم الحديث (2873) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (16359) .
(3) قال الحافظ في الفتح (8/ 33) : وفي بعض مَن ذُكِرَ نَظَرٌ، لأن أمية بن خلف لم يكن =