فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إلى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ، وَكَانَ عَاصِمٌ قتلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ [1] يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُلَّةِ [2] مِنَ الدَّبْرِ [3] ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ [4] .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّبْرَ تَطِيرُ في وُجُوهِهِمْ وَتَلْدَغُهُمْ، فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَقْطَعُوا [5] .
وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فَلَمَّا قُتِلَ عَاصِمٌ أَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِهِ، لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَيْهَا يَوْمَ أُحُدٍ: لَئِنْ قَدِرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ في قِحْفِهِ [6] الخَمْرَ، فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ، فَلَمَّا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الدَّبْرُ، قَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِيَ فتَذْهَبَ عَنْهُ، فنَأْخُذَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ مَطَرًا، فَصَارَ سَيْلًا، فَاحَتَمَل عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ عَاصِم قَدْ أَعْطَى اللَّه عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا [7] .
(1) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 138) : لعل العَظِيم المذكورَ عُقْبَة بن أبي مُعيط، فإن عاصمًا قتله صَبْرًا بأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد أن انصرفوا من بدر.
(2) الظُّلَّة: بضم الظاء هي السَّحَابة. انظر النهاية (3/ 146) .
(3) الدَّبْرُ: بفتح الدال وسكون الباء: هي الزنانير، وقيل: النحل. انظر النهاية (2/ 93) .
(4) أخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (4086) .
(5) انظر فتح الباري (8/ 138) .
(6) القِحْفُ: العظم الذي فوق الدِّماغ من الجمجمة. انظر لسان العرب (11/ 44) .
(7) انظر سيرة ابن هشام (3/ 189) .