النَّاسِ قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"بَايِعْ يَا سَلَمَةُ"! قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! في أَوَّلِ النَّاسِ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-"وَأَيْضًا"، قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَزْلًا -يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ- قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَفَةً [1] أَوْ دَرَقَةً [2] ، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ في آخِرِ النَّاسِ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ!"، قُلْتُ قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ في أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"وَأَيْضًا"، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"يَا سَلَمَةُ! أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقتُكَ التِي أَعْطَيْتُكَ؟".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرًا عَزِلًا، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقَالَ:"إِنَّكَ كَالذِي قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ! أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي" [3] .
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يُؤَكِّدَ بَيْعَةَ سَلَمَةَ -رضي اللَّه عنه- لِعِلْمِهِ بِشَجَاعَتِهِ وَعَنَائِهِ في الإِسْلَامِ، وشُهْرَتِهِ بِالثَّبَاتِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِتَكْرِيرِ المُبَايَعَةِ لِيَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ فَضِيلَةً [4] .
(1) الحَجَفة: بفتح الحاء الترس من الجلود خاصة. انظر النهاية (1/ 333) ، لسان العرب (3/ 63) .
(2) الدرقة: هي الجحفة، وهي ترس من جلود. انظر لسان العرب (4/ 333) .
(3) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قرد وغيرها - رقم الحديث (1807) .
(4) انظر فتح الباري (15/ 111) .